وحكى الراوى حكاية (أبى الجهم وعطاء الخليفة) … وبعد ان سمى باسم الله قال. … حكى أحمد بن عبيد أنة فى أحد الايام كنا فى ضيافة هشام بن عبد الملك وقد وفد عليه وفد من أهل الحجاز، وكان شباب الكُتاب. اى المهتمين بالكتابة والشعر. إذا قدم الوفد حضروا للاستماع لبلاغة خطبائهم، فحضرت استمع حتى جاء دور محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، وكان أعظم القوم قدرا، وأكبرهم سناً. فتحدث قائلاً : أصلح الله أمر أمير المؤمنين. إن خطباء وشعراء قريش قد قالت فيك ما قالت. وأكثرت وأطنبت. ووالله ما بلغ قائلهم قدرك. ولا أحصى خطيبهم فضلك. وإذا أذنت في القول قلت. فقال لة هشام بن عبد الملك : قل وأوجز.
فقال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى. وزينك بالتقوى، وجمع لك خير الآخرة والأولى. إن لي حوائج. أتأذن لى أن أذكرها ؟ قال هشام : هاتها. فقال محمد بن أبى الجهم : كبر سني، ونال الدهر مني. فإن اراد أمير المؤمنين أن يُجبر كسري. ويزيح عنى فقري. فعل. قال لة هشام : ما الذي ينفي فقرك ويجبر كسرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار .. فأطرق هشام طويلا. ثم قال: يا ابن أبي الجهم. بيت المال لا يحتمل ما ذكرت.
حزن أبن أبى الجهم
فبدا الحزن على محمد ابن أبى جهم وقال : انعم الله عليك بالملك والخير. فإن تعطنا فحقنا أديت. وإن تمنعنا فنسأل الذي بيده ما حويت وبيدة كل شيئ
يا أمير المؤمنين. إن الله جعل العطاء محبة. والمنع مبغضة.وانا والله أرى ان حبك أحب إليَّ من أن أبغضك. فسألة هشام : تريد ألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها دينًا آن اوان قضاؤه. وأعيانى حمله، وأضررنى وأضر أهلى. قال: لا بأس ان ننفس عنك كربتك. ونؤدى عنك امانتك. ولكن الف دينار ثانية لماذا؟ .. قال: أعلم بها من بلغ من اولادى. قال: نعم المسلك ونعم الفعل. فأنت بهذا غضضت بصراً وأعففت بذلك ذكراً وزدت نسلاً. وألف دينار ثالثة لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي وأستعين بفضلها على نوائب دهري، وتكون ذخرا لمن بقي. قـال: أبشر قد أمرنا لك بما طلبت. فقال: فالحمد لله على ذلك.
بعد خروج أبن أبى الجهم
وخرج، فأتبعه هشام ببصره. وقال: هكذا يكون أهل قريش. فما رأيت رجلا أوجز في مقال ولا أبلغ في بيان منه. ثم قال: أما والله إنا نحكم عقولنا ونستفتى قلوبا ونستشعر الحق. ونكره الإسراف فى الانفاق والبخل والتقطير. ولا نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرًا. وما نحن إلا حراس خزان الله في أرضة. وأمناؤه على عباده. فإذا أذن الله أعطينا، وإذا منع امتنعنا. ولو كان كل قائل يصدق فى قولة. وكل سائل يستحق ماسأل ما جبهنا سائلاً. ولا رددنا طلب طالب، ونسأل الله العلى القديرالذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه: ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ فقالوا: يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، وما بلغ في كلامه ما قصصت أحد كما أبلغت.




