لطالما كانت الطاعة إحدى القيم التي تسعى معظم الأسر لترسيخها في أبنائها. تُعتبر الطاعة أحد الأسس التي يُبنى عليها النظام داخل الأسرة، ويُعتقد أن تربية الأطفال ليكونوا “مطيعين” يجعل الحياة اليومية أكثر سلاسة. لكن، هل نحن بحاجة حقًا إلى أطفال مطيعين؟ هل الطاعة هي الطريق الأمثل لتربية الأطفال أم أن هناك طرقًا أخرى يمكن أن تساهم في نموهم الشخصي؟ بحاجة لأطفال مطيعين
الطاعة كقيمة تقليدية
منذ العصور القديمة، كان يُعتبر الطاعة من القيم الأساسية التي يجب على الأطفال تعلمها. كانت التربية تركز على الامتثال للأوامر دون نقاش أو اعتراض. هذه الفكرة كانت تتماشى مع الأدوار التقليدية التي كانت الأسرة والمجتمع يتوقعان من الأطفال أن يلعبوها: أن يكونوا طائعين، ملتزمين، ومطيعين لأوامر الآباء والمعلمين.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ العديد من العلماء والمختصين في التربية في إعادة النظر في هذه الفكرة. فبدلاً من التركيز على الطاعة فقط، بدأوا يطرحون مفهوم “التوجيه” و”التعاون” كبديل. الطاعة العمياء قد تؤدي إلى إنتاج شخصيات خاضعة أو غير قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة في المستقبل. الأطفال بحاجة إلى تعلم التفكير النقدي واتخاذ القرارات بأنفسهم، وليس فقط تنفيذ الأوامر.
لماذا نرفض الطاعة العمياء؟
عندما نطلب من أطفالنا أن يطيعوا بدون طرح أسئلة أو التفكير في ما يُطلب منهم، فإننا نحرمهم من فرصة تطوير مهارات اتخاذ القرار. وبذلك، نضعهم في موقف يتطلب الامتثال فقط، وليس التفكير المستقل. في عالم اليوم، لا يمكننا الاعتماد فقط على الطاعة العمياء لتوجيه أفعالنا. الأطفال بحاجة إلى تعلم كيف يميزون بين الصواب والخطأ بناءً على التفكير المنطقي، وليس فقط تنفيذ ما يُطلب منهم.
هل هم “غير مطيعين” أم “ضائعين”؟
في كتاب “السلطة الرحيمة” لكيم جون باين، يتم طرح فكرة مثيرة: الأطفال الذين نعتبرهم “غير مطيعين” قد لا يكونون في الحقيقة كذلك، بل هم ببساطة “ضائعون”. هؤلاء الأطفال قد يكونون في مرحلة من التشتت أو الارتباك بشأن كيفية التعامل مع العالم من حولهم. قد لا يكون لديهم الوضوح الكافي لفهم المعايير التي نتوقع منهم اتباعها.
بدلاً من أن نعاملهم كأشخاص يجب أن يُطاعوا، يجب أن ننظر إليهم كأشخاص يحتاجون إلى توجيه وتفسير لما هو مطلوب منهم. نحن بحاجة إلى تطوير علاقة من الفهم والاحترام المتبادل، حيث يستطيع الطفل أن يتعلم ويطور نفسه بحرية، دون أن يشعر بالضغط ليكون “مطيعًا” فقط.
الطاعة أم التعاون؟
بالتأكيد، لا يعني ذلك أننا يجب أن نرفض تمامًا مفهوم الطاعة. فهناك مواقف تستدعي إتباع تعليمات معينة، مثل الالتزام بالقوانين أو احترام الحدود. لكن التركيز يجب أن يكون على التعاون وليس الطاعة. الأطفال الذين يشعرون أنهم جزء من عملية اتخاذ القرار ويُسمح لهم بالتعبير عن آرائهم هم أطفال ينمون بشكل صحي من الناحية العاطفية والعقلية.
ختامًا
الأطفال ليسوا دمى أو أدوات لتنفيذ أوامرنا، بل هم أفراد بحاجة إلى تعلم التفكير النقدي، احترام الآخرين، واتخاذ القرارات المستنيرة. بدلاً من تعليمهم الطاعة العمياء، يجب أن نعلمهم كيف يكونون أفرادًا مستقلين يفكرون في أفعالهم ويشعرون بالمسؤولية عن قراراتهم. الطاعة ليست دائمًا الجواب؛ التعاون والتوجيه هو الطريق الصحيح لضمان تنمية صحية ومتوازنة لأطفالنا
